يرى تسيغاب أماري، الباحث في «هورن ريفيو»، أن نهج الولايات المتحدة تجاه الحرب الأهلية في السودان تغيرت طبيعته منذ اندلاع الصراع في أبريل 2023، بعدما بدأ كجهد للتوسط من أجل إيصال المساعدات الإنسانية والتوصل إلى وقف لإطلاق النار بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، قبل أن يتحول خلال الأشهر الأخيرة إلى ما يشبه الدبلوماسية القسرية، عبر ممارسة ضغوط مباشرة على قائدي الطرفين والشبكات التي تدعم استمرار الحرب، بدلًا من التعويل على استعدادهما للتفاوض.
ونشر هورن ريفيو تحليل أماري الذي يناقش التحول في الاستراتيجية الأمريكية تجاه الحرب السودانية، موضحًا أن هذا التحول لا يعكس بالضرورة تغييرًا في الأهداف الأمريكية بقدر ما يعكس إدراكًا، ربما جاء متأخرًا، بأن الإقناع وحده لن يدفع أيًا من الجنرالين إلى تغيير حساباته. ويبحث التحليل حدود قدرة العقوبات والقيود على السلاح والضغوط الدبلوماسية في دفع طرفي الحرب نحو تسوية سياسية.
من الوساطة إلى الدبلوماسية القسرية.. واشنطن تغير أدوات الضغط
برز أوضح مؤشر على هذا الإدراك في 15 سبتمبر، عندما قال المبعوث الأمريكي مسعد بولس لصحيفة «ذا ناشيونال» إن عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو، المعروف بـ«حميدتي»، لن يكون لأي منهما مستقبل سياسي في حكم السودان.
وبعد أسبوع، أفادت وكالة رويترز بأن واشنطن حجبت تأشيرة عن البرهان قبيل انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، وربطت مصادر هذه الخطوة بمقترح لوقف إطلاق النار لمدة 90 يومًا، لم تقبل به القيادة العسكرية السودانية حتى ذلك الوقت.
ولم تؤكد وزارة الخارجية الأمريكية أو مكتب البرهان علنًا وجود هذا الرابط، لكن من المنتظر أن يلقي وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم كلمة السودان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بدلًا من قائد الجيش عبد الفتاح البرهان.
وتفترض الدبلوماسية القائمة على الوساطة إمكانية دفع أطراف الصراع إلى التوصل لتسوية عبر التفاوض والحوافز، بينما تفترض الدبلوماسية القسرية أن الأطراف لن تغير مواقفها ما لم تتحمل تكلفة الرفض.
ولا تتعارض الأداتان بالضرورة، ويبدو أن واشنطن تستخدمهما بالتوازي، إذ تسعى عبر الضغوط إلى تشكيل الظروف التي قد تجري في إطارها أي مفاوضات مستقبلية. لكن السؤال المنفصل يتعلق بمدى قدرة هذه الضغوط على تغيير حسابات البرهان أو دقلو بالفعل.
وفي أبريل، دعت وزارة الخارجية الأمريكية القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع إلى قبول هدنة إنسانية فورية لمدة ثلاثة أشهر، دون شروط مسبقة.
ولا يكشف وجود هذا المقترح في حد ذاته الكثير عن مدى استعداد أي من الطرفين للالتزام به. وإذا جرى تنفيذ وقف إطلاق النار، فإنه قد يحد من العنف على المدى القريب، لكن يبقى السؤال حول ما إذا كان يمكن أن يؤدي إلى أكثر من ذلك.
وأعلنت واشنطن وتحالفات مدنية سودانية أن أياً من طرفي الحرب لا ينبغي أن يمتلك حق تشكيل مستقبل السودان السياسي، انطلاقًا من أن الهدنة يفترض أن تفتح المجال أمام مفاوضات تقودها قوى مدنية، لا أن تمنح شرعية لموقف أي من الجنرالين.
لكن التعامل مع البرهان ودقلو باعتبارهما هدفًا واحدًا للدبلوماسية القسرية يقلل من أهمية الاختلاف في موقع كل معسكر وطبيعة بنيته السياسية والعسكرية.
وأفادت «ذا ناشيونال» بأن قوات الدعم السريع قبلت الهدنة الإنسانية لمدة 90 يومًا، لكنها رفضت بعض عناصر الترتيبات المقترحة للانسحاب، في حين تعهد البرهان بمواصلة القتال حتى القضاء على قوات الدعم السريع بصورة كاملة.
وأثار أحد المحللين الذين استندت إليهم الصحيفة نقطة هيكلية مهمة، مفادها أن البرهان لا يتخذ قراراته بمفرده، بالنظر إلى وجود جماعات مسلحة وفصائل إسلامية وقوى سياسية أخرى داخل معسكره.
ويطرح ذلك سؤالًا أكثر تعقيدًا من مجرد البحث في مدى نجاح الضغط على البرهان، إذ يتعلق الأمر بما إذا كانت الدبلوماسية القسرية الموجهة إلى قائد اسمي قادرة على تحريك ائتلاف عسكري وسياسي أوسع، أم أنها تكتفي بتغيير الخطاب العلني للائتلاف بينما تبقى مراكز الفيتو الداخلية على حالها.
أما ما إذا كانت البنية القيادية لقوات الدعم السريع وعلاقاتها الخارجية تطرح المشكلة نفسها، فيبقى سؤالًا منفصلًا لا يقدم المقال أدلة كافية للإجابة عنه، وإن لم يكن هناك ما يبرر افتراض أن الطرفين يستجيبان للضغوط بالطريقة نفسها أو للأسباب نفسها.
حظر السلاح.. واشنطن تستهدف شبكات الحرب لا القادة فقط
ظهر أوضح مؤشر على أن الاستراتيجية الأمريكية تتجاوز الضغط المباشر على البرهان ودقلو في مقترح واشنطن الذي طرحته في أغسطس 2026 لتوسيع حظر الأسلحة القائم، والذي يقتصر حاليًا على دارفور، ليشمل كامل الأراضي السودانية.
وسعى المقترح إلى إدراج الطائرات المسيرة والتقنيات المرتبطة بها، بما يستهدف البنية الأوسع التي تمر عبرها الأسلحة إلى طرفي الحرب.
لكن المبادرة كشفت في الوقت نفسه حدود النفوذ الأمريكي. ففي 11 سبتمبر، مدد مجلس الأمن الدولي نظام العقوبات القائم على دارفور لمدة شهر واحد، بينما استمرت المفاوضات بشأن فرض حظر شامل على الأسلحة في أنحاء السودان، وسط معارضة من روسيا والصين والحكومة السودانية.
وحتى إذا نجحت واشنطن في رفع تكلفة الحصول على الأسلحة، فإن تداعيات هذه الخطوة قد تختلف بين المعسكرين العسكريين وفقًا لحجم مخزونات كل طرف، ونطاق سيطرته على الأراضي، وعلاقاته الخارجية، وقدرته على الوصول إلى طرق بديلة للإمداد.
ولا يؤدي الإجراء الموحد بالضرورة إلى آثار سياسية موحدة، إذ قد تختلف قدرة كل طرف على تحمل الضغوط أو الالتفاف عليها.
وتقوم السلسلة السببية التي تراهن عليها واشنطن، على ما يبدو، على مسار واضح: ترفع العقوبات والقيود المفروضة على الأسلحة تكلفة الوصول إلى الموارد بالنسبة للأطراف والشبكات المستهدفة، ثم تقيد زيادة التكاليف قدرة هذه الجهات على الوصول إلى الموارد والحصول على المكانة الدبلوماسية، قبل أن يؤدي تراجع هذا الوصول إلى تغيير طريقة موازنة أطراف الحرب لخياراتها.
وقد تفتح الحسابات الجديدة المجال أمام التفاوض، لكن كل حلقة في هذه السلسلة تبقى محتملة وليست مضمونة. ويمكن أن تنهار السلسلة بالكامل إذا استطاعت القوات المسلحة السودانية أو قوات الدعم السريع توفير مصادر بديلة للتمويل أو المعدات أو الدعم اللوجستي الذي تستهدف العقوبات والقيود قطع الوصول إليه.
ولا تشكل الحرب السودانية صراع إرادات بين واشنطن وجنرالين فقط، كما أن طبيعة التحالفات التي تعمل واشنطن من خلالها تطرح أسئلة خاصة حول الأطراف التي تعكس الوساطة أولوياتها.
ويضع «الرباعي» الذي يضم الولايات المتحدة ومصر والسعودية والإمارات الدبلوماسية الأمريكية بالفعل داخل إطار تحالفي بدلًا من قناة ثنائية، بينما تشير واشنطن بصورة منفصلة إلى مجموعة أوسع تعرف باسم «الخماسي»، وتضم الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية «إيغاد» وجامعة الدول العربية، باعتبارها مسارًا سياسيًا موازيًا.
النفوذ الأمريكي والبعد الأفريقي.. هل تكفي الضغوط لإنهاء الحرب؟
يؤدي التعامل مع «الرباعي» و«الخماسي» باعتبارهما آلية واحدة إلى إغفال سؤال جوهري يتعلق بما إذا كان هذا الهيكل الذي تقوده أطراف خارجية يعكس أولويات المؤسسات الأفريقية أم يتجاوزها، وما إذا كان ذلك يعقد التسوية التي تقودها أفريقيا أو يدعمها.
ويحتفظ كل من الصين وروسيا بمصالح خاصة في النظام السياسي السوداني، وقد تتقاطع هذه المصالح مع مصالح واشنطن أو تختلف عنها. لكن وجود أطراف أجنبية في المشهد لا يثبت في حد ذاته أن أيًا منها يدعم استمرار القتال.
ويعني ذلك، في المقابل، أن الضغوط الأمريكية تعمل داخل بيئة توجد فيها مصادر بديلة محتملة للدعم الدبلوماسي أو المادي، وهو ما قد يحد من تأثيرها. ويحتاج إثبات هذا الأمر إلى فحص صفقات وتصريحات محددة، بدلًا من الاكتفاء بوجود مصالح أجنبية عامة في السودان.
ويحظى بُعد آخر بأهمية خاصة، وهو الدور الأفريقي الذي غالبًا ما يحصل على اهتمام أقل في التغطية الغربية للملف السوداني.
ويطرح هيكل «الرباعي»، إلى جانب الحضور الأمريكي البارز داخله، سؤالًا مشروعًا حول طبيعة العلاقة بين أولويات الاتحاد الأفريقي ومواقف دول الجوار من جهة، وإطار وساطة صُمم إلى حد كبير خارج القارة من جهة أخرى.
ويستحق تأثير القيادة الخارجية في مسار التسوية التي تقودها أفريقيا دراسة مستقلة، سواء خلصت هذه الدراسة إلى أنها تعقد جهود التسوية أو تدعمها، بعيدًا عن أي حكم على العقوبات الأمريكية أو الدبلوماسية الخاصة بوقف إطلاق النار.
وأصبح نهج واشنطن تجاه السودان أكثر حزمًا، إذ يجمع بين الدبلوماسية الرامية إلى وقف إطلاق النار والضغط على القادة العسكريين والشبكات التي تدعم استمرار الحرب.
لكن توسيع أدوات الضغط لا يثبت في حد ذاته فعالية النفوذ الأمريكي. ويعتمد مدى قدرة العقوبات والاستبعاد الدبلوماسي وقيود التأشيرات على تغيير حسابات القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع على الأثر المادي لهذه الإجراءات في شبكات التجنيد والتسليح والتمويل، إضافة إلى مدى مصداقية المطالب المرتبطة بها، وتوافر مصادر بديلة للدعم يمكنها تعويض آثار الضغوط.
كما يعتمد الأمر على قدرة الضغوط الموجهة إلى البرهان ودقلو بصورة فردية على الوصول إلى التحالفات الأوسع التي يستند إليها كل قائد، وهي مشكلة تختلف طبيعتها بين الطرفين.
ويخلص التحليل إلى أن السؤال المركزي لا يتعلق بقدرة واشنطن على فرض تكاليف على أطراف الحرب، بل بمدى قدرة هذه التكاليف على تضييق فجوة النفوذ بما يكفي لدفع السودان من هدنة مؤقتة إلى تسوية سياسية تفاوضية.
ولا تقدم الأدلة المتاحة حتى سبتمبر 2026 إجابة حاسمة عن هذا السؤال.
https://hornreview.org/2026/09/25/the-united-states-shifting-sudan-strategy-and-the-limits-of-coercive-leverage/

